للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فصل

وأما اختلافهم في المحارب يجيء تائباً من قبل أن يُقْدَر عليه: ما الذي يُهْدَرُ (١) عنه بالتوبة؟ فقال قتادة والزهري في قوله -تعالى-: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: ٣٤] : ذلك لأهل الشرك (٢) .

فظاهر هذا القول أن المحارب المسلم لا يُهدر عنه شيءٌ من جناياته، والله أعلم. وقال أكثر أهل العلم: إنه (٣) يتناول المحارب المسلم، فإذا تاب قبل أن يُقدر عليه، وكان جَنَى في حرابته جنايات، سقط عنه ما كان من حدٍّ لله، وأُخذ بحقوق الآدميين، فاقتص منه في النفس والجراح، وضمن ما استهلك من الأموال، وأخذ ما وجد من


= «حلية العلماء» (٨/٨٠-٨١) .
وإلى هذا ذهب الإمام أبو ثور. انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (٢٥٥) .
ومذهب الحنابلة: أن النفي معناه: أن يُشَرَّدوا؛ فلا يتركوا يأوون في بلد.
وحكي عن أحمد رواية أخرى معناها: أنَّ نفيهم: طلب الإمام لهم، فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم. انظر: «المغني» (١٢/٤٨٢- ط. دار هجر) ، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص ٢٦٣) ، «الإنصاف» (١٠/٢٩٨) ، «المقنع» لابن البنا (٣/١١٣٩-١١٤٠) ، «شرح الزركشي» (٦/٣٧٠) «شرح المختصر» لأبي يعلى (٢/٥٢٠) ، «الواضح» (٢/٢٤٠) ، «رؤوس المسائل الخلافية» (٥/٦٦٩ رقم ١٩٢٧) .
والراجح في هذه المسألة -والله أعلم- ما ذهب إليه مالك، وتبعه ابن حزم: أن نفي المحارب من الأرض يكون بحسب ما يراه الإمام، إما بطرده بحيث لا يأوي في بلد، وإمَّا بحبسه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (١٥/٣١٠) : «وهذا أعدل وأحسن» .
وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٠/١٠٩) ، «المحلّى» (١١/٣١٨-٣١٩) ، «تفسير الألوسي» (٦/١٢٠) ، «العقوبة في الفقه الإسلامي» لأحمد بهنسي (ص ١٧٤) ، «حد الحرابة» (ص ٨١-٨٣) ، «التشريع الجنائي» (٢/٦٤٩) ، «أحكام السجن ومعاملة السجناء» (ص ٤٣-٤٤) .
(١) كذا في المنسوخ، وفي هامشه: «أو: يهدر» ، والمثبت من الأصل.
(٢) قول قتادة أخرجه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٠٨ رقم ١٨٥٤٢) ، ومن طريقه الطبري في «التفسير» (٦/٢١٢) . وهو قول عطاء -أيضاً-.
ونقله عن قتادة والزهري: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٦) .
(٣) في منسوخ أبي خبزة: «أن» .

<<  <   >  >>