ليس بغراب، فإن كان الطائر لا يعرف لبعده حنثا، وإن كان قريباً بحيث يمكن كل منهما أن يدعي يقين ما حلف عليه الآخر صدقا، وهكذا قال ابن راشد، وإما لأنه مثل ما يمكن حالاً، وسكت عن تمثيل الذي لا يمكن حالاً ومآلاً، فيكون مثاله كما لو حلف شخص بالطلاق أن فلاناً من أهل الجنة وحلف غيره أنه من أهل النار.
وقوله:(فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً).
ابن راشد: أي وإن لم يدع كل واحد منهما أنه حلف على يقينه وإنما حلف على ما يظن أو يشك، حنث على الأصح، والقول بعدم اللزوم مشكل.
ابن راشد: ولا يبعد ما نقله المصنف عن أصول المذهب، وعكس بعضهم النقل فأتى بما ظاهره العكس، أعني أنه جعل القولين فيما إذا جزم كل واحد من الحالفين بصحة ما حلف عليه، وإن لم يجزما لزمهما الطلاق، وأجمل بعضهم النقل وأتى بما يدل على أن المسألة مختلف فيها من حيث الجملة، وكأن المصنف اختصر المدونة ونصها: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت كذا، وقال الآخر: امرأته طالق إن كنت قلته؛ فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً. واختلف قول مالك خارج المدونة هل يحلفان أم لا؟
وبني ذلك على الخلاف في توجيه يمين التهمة، قيل: ومحل الخلاف إذا رفع الأمر إلى الحاكم، وأما لو جاءا مستفتيين فلا وجه لليمين، ونظير هذه المسألة في العتق من المدونة في العبد بين الشريكين فقال أحدهما: هو حر إن كان دخل المسجد، وقال الآخر: هو حر إن كان لم يدخل، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً فإن شكا عتق عليهما بغير قضاء.
وقال غيره بالقضاء فإن قيل: كيف جرى الخلاف هنا في الشك، وقد تقدم في باب الصيد والذبائح أنه متى شك هل مات من الزكاة أو غيرها لم يؤكل بالاتفاق، وإنما الخلاف في الظن قيل: لأن الأصل هنا استمرار النكاح بخلاف ما ذكرت.