للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الطريق الأول: أن لفظ الطلاق جعله الله سبباً لحل العصمة فحيث ما وجد ذلك السبب ترتب عليه مسببه فلا يقبل التعليق لأن المتعلق على الشيء ينعدم عند عدم الشيء، وذلك الشيء هنا لا يقبل العدم لأنه حكم شرعي وجد سببه، بخلاف لفظ اليمين فإنه لا يوجب فعل ما حلف عليه بل خيره في وفي تركه، والإتيان بالكفارة تارة ومنعه تارة.

والطريق الثاني: للبغداديين أن الطلاق لما كان موجباً لحل العصمة لزم أن يقع الطلاق إذا تلفظ بلفظه، وإذا وقع فلا يصح فيه الاستثناء لأنه بمنزلة من حلف بالله تعالى على ما مضى. وهذا إذا تأملته هو في الحقيقة راجع إلى الأول، ويرد عليه أنه لو كان كما قالوه من تحقيق وقوع الطلاق بالتلفظ بالصيغة لزما لطلاق فيما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد، وهذا خلاف الاتفاق، وإذا قبل الطلاق والتعليق بمشيئة زيد ونحوها وجب أن يقبله في مشيئة الله تعالى.

وأيضاً فإن قوله: (أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ .. إلى آخره) إن أراد بقوله: (قَدْ شَاءَهُ اللهُ) أي حكم به فصحيح، ولكن لما قلتم إنه لا يقبل التعليق؟ فإن هذا لم ينص الشرع [٣٦٤/ ب] عليه وإلا أومئ إليه، وإن أراد أن كل ما حكم الله قد شاءه فليس بصحيح وهو خلاف مذهب أهل السنة لأن الأمر عندهم لا يستلزم الإرادة، لا يقال إنما قلنا يقبل التعليق في مشيئة زيد ونحوها لإمكان الإطلاع على مشيئته، بخلاف مشيئة الله تعالى فإنا لا نطلع عليها، فلذلك أوقعنا الطلاق، لأنا نقول: لو عكس هذا لكان أولى لأن مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ فلذلك كل معدوم وجد نعلم أن الله تعالى أراده، وكل ما لم يوجد نعلم أن الله تعالى لم يرده.

وأن مشيئة غيره فلا تعلم لأن غايته أن يخبرنا وخبره إنما يفيد الظن، وفرق ابن المنير على ما نقله ابن راشد عنه بين الطلاق وغيره بأن الأصل في اليمين بالله تعالى والطلاق اللزوم، وإن كان واحد منهما لا ينحل بالاستثناء بالمشيئة خالفنا الأصل في اليمين بالله للحديث الوارد فيه، فيبقى الطلاق على أصل اللزوم.

<<  <  ج: ص:  >  >>