وفي الموازية ما يوهم إلغاء القصد إذ فيها في من قال لامرأته: قد كنت طلقتك البتة، ولعبده قد كنت أعتقتك ولم يكن فعل ذلك، قال أبو الزناد: أما في الفتوى فلا شيء عليه، وقال مالك: ذلك يلزمه، كمن قال: أنت طالق. أو قال: أنت حر لا يريد طلاقاً ولا عتقاً، وقال ربيعة وابن شهاب.
ربيعة: إلا أن يأتي بعذر بين له وجه. فقول أبو الزناد ظاهر، وقول مالك يوهم عدم اعتبار القصد، إلا أن يتأول على أنه في معنى طلاق الهازل وإعتاقه وفي اللخمي [٣٥٤/ أ] قال مالك في من قال أنت طالق فزل لسانه، فقال البتة، قال: هي ثلاث. فألزم الطلاق باللفظ من غير نية وقال سحنون: لا شيء عليه في ذلك، وهو أحسن. انتهى.
فحمل قول سحنون على الخلاف وسياقه في التهذيب يدل على خلاف ذلك ولفظه: وإن قال لزوجته أنت طالق البتة، وقال: والله ما أردت بقولي البتة، وإنما أردت واحدة فزل لساني فلفظت بالبتة فهي ثلاث.
سحنون: وهذا الذي قال البتة قد كانت عليه بينة فلذلك لم ينوه مالك.
عياض: وقد اختلف ابن نافع وغيره عن مالك في قبول قوله في الفتوى، ويتخرج من هذه المسألة وأخواتها القولان اللذان حكاهما البغداديون في إلزامه بمجرد اللفظ دون النية على ما خرجه الشيوخ من الكتاب، فأما إلزامه الطلاق بمجرد اللفظ فمن إلزامه الطلاق في مسألة: أنت طالق وقال: أردت من وثاق ولا بينة عليه ولم يعذره وإن جاء مستفتياً.
ومن قوله: يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم ولا ينفعهم نياتهم، ومن الذي أراد واحدة فزل لسانه فقال البتة، ومن خلاف أهل المدينة في الذي قال لامرأته وهو يلاعبها: هو عليك حرام، ومن مسألة هزل الطلاق. انتهى.
وإنما ذكرنا هذا لتعلم أن ما ذكره المصنف ليس متفقاً عليه، وأن قول ابن راشد: لا خلاف في المذهب إن قصد إنشاء الصيغة؛ شرط ليس بظاهر. والله أعلم.