للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فمقصود الجهاد: طلب الشهادة ببذل النفس والاستسلام للقتل، وذلك يؤدي إلى إسقاط حق ثابت؛ فمنع منه. نعم، لو أذن له صاحب الدين صار من أهل الجهاد، وللإمام احتمال فيه مع جزمه بجوازه، وإذا جاهد لم يتعرض للشهادة، ولم يتقدم أمام الصفوف، ويقف في وسطها أو حواشيها، ليحفظ الدين بحفظه نفسه، قاله الماوردي، وهذا على وجه الاستحباب، كما صرح به البندنيجي.

وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه؛ لأنه في الحال مخاطب بفرض الكفاية، بخلاف الدين؛ فإنه لا يتوجه الخطاب به إلا بعد حلوله؛ فلا يترك أمراً ناجزاً لشيء منتظر، وهذا أصح عند النواوي وصاحب "المرشد".

والصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب: الأول؛ لما ذكرناه، وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين، وما ذكره صاحب الوجه الثاني منتفض بما لو كان الدين الحالُّ على معسر؛ فإن المعنى المذكور موجود فيه، وقد قال الأصحاب: إنه لا يجاهد إلا بإذن الغريم، كما لو كان الدين حالاًّ وهو موسر، صرح به الماوردي، ومحل المنع عنده مصور بما إذا لم يستتب من يقضي الدين من ماله الحاضر، أو [استناب من يقضيه من ماله الغائب، أما إذا استناب من يقضيه من المال الحاضر] لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه كالمؤدين وعلى ذلك جرى في "التهذيب"، والحق به غيرهما قيام كفيل به كما ذكرناه في باب التفليس.

واعلم أن ظاهر نص الشافعي – رضي الله عنه – الذي حكيناه، وكلام الشيخ هاهنا وفي "المهذب" وكلام البندنيجي والماوردي يقتضي أمرين:

أحدهما: منع نفس الجهاد، لا منع السفر له.

والثاني: إناطة المنع منه بعد الإذن، وعدم الإذن تارة يُعقل مع المنع من الجهاد، وتارة يعقل مع السكوت.

وبهذا التقرير يظهر لك: أن هذه المسألة مخالفة للمسألة المذكورة في هذا

<<  <  ج: ص:  >  >>