أما الثاني:«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، فهنا الرهن لم يَغْلَق من صاحبه، غَلَقُ الرهن من صاحبه أنه إذا حلَّ الدَّيْن ولم يأتِ به أخذه المرتهن قهرًا، سواءٌ يساوي الدَّيْن أو أكثر أو أقل، هذا الذي يقال إنه غُلِقَ من صاحبه، وأما إذا كان باختيار صاحبه فهو باختياره، ما فيه أحد أغلقه عليه، فصار هذا التعليل غير صحيح، والاستدلال غير صحيح.
نرجع إلى الأصل، الأصل في العقود وشروطها الجواز والصحة؛ لقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة: ١]، وهذا يشمل الوفاء بالعقد أصلِه وشرطِه، ولقوله تعالى:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا}[الإسراء: ٣٤]، والشرط عهد، ولقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:«كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»(٥).
فعُلِمَ منه أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله صحيح، ولقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:«الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا»(٦).
فهذه أربعة أدلة؛ اثنان من القرآن، واثنان من السُّنَّة، مع بطلان ما استدل به الأصحاب رحمهم الله. التعليل قلنا: لا دليل عليه، والدليل قلنا: لا دلالة فيه.
وحينئذٍ يكون القول الثاني أن هذا الشرط صحيح، فإذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، وقَبِلَ؛ فهو صحيح، وبهذا أخذ الإمام أحمد رحمه الله في فعله، فإنه اشترى -أظن- من بقال شيئًا ورهنه نعليه، الإمام أحمد، ما عنده فلوس! رهنه نعليه وصار يمشي حافيًا، وقال له: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالنعال لك، فوافق صاحب البقالة، يمكن النعال أكثر من قيمة الدَّيْن، والله أعلم.
على كُلِّ حال هذا عمل من الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ-، فيكون في المسألة عنه روايتان: