ومثل ذلك الاختلاف في قدْر الثمن على ما سبق، وأظننا لم نُرجِّح هذا القول هناك، لكن الآن نرجح أن القول قول البائع للحديث؛ ولأنه غارِم، فلا يمكن أن تُخرج السلعة من ملكه إلا بثمن يرتضيه، فإما أن يقبل المشتري بذلك، وإما أن يُفسخ البيع ولا حاجة للتحالف، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في قدْر الثمن، وكذلك في عين المبيع من باب أولى.
قال:(وإن اختلفا تحالفا وبطل البيع).
قوله:(وبطل البيع)، في هذا التعبير نظر عند أهل العلم حسب المصطلح بينهم؛ لأن البيع لم يبطل، ولكن فُسِخ، وفرْق بين البطلان وبين الفسخ، فصواب العبارة أن يُقال: وانفسخ البيع.
(وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض .. ) إلى آخره.
هذه أيضًا من مسائل الخلاف بين المتبايعين، إذا اختلفا أيهما يسلم أولًا، فقال البائع: لا أسلمك حتى تسلمني الثمن، وقال المشتري: لا أُسلِّمك حتى تُسلِّمني المبيع، فماذا نعمل؟
فسرها المؤلف، قال:(والثمن عين) أي معين (نُصِب عدل يقبض منهما ويسلم المبيع، ثم الثمن).
قوله:(نُصِب) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والناصب هو الحاكم الشرعي؛ يعني أن هذين المتبايعين يختصمان إلى الحاكم، ثم ينصب الحاكم رجلًا يستلم منهما، ثم يسلم المبيع أولًا، ثم الثمن ثانيًا.
مثاله: اشترى رجل من آخر ساعة، فقال المشتري: أعطني الساعة وأعطيك الثمن، فقال البائع: أعطني الثمن وأعطيك الساعة، تنازعا، فبقي كل واحد يقول: أعطني العِوض. نقول: اذهبا إلى من؟ إلى الحاكم في المحكمة الشرعية، ثم الحاكم يجب عليه أن ينصب رجلًا عدلًا موثوقًا فيأخذ الساعة من البائع، ويأخذ الثمن من المشتري، ثم يُسلِّم الساعة للمشتري، ويُسلِّم الثمن للبائع. هذا هو الذي .. نمشي على كلام المؤلف وبعدين نشوف الراجح.
قال:(وإن كان دينًا) يعني غير معين، (وإن كان دينًا حالًّا أُجبر بائع ثم مشترٍ)(إن كان) الضمير يعود على الثمن؛ لأنه قال بالأول:(والثمن عين).