اقتصار المؤلف -رحمه الله- على هذه الأمثلة الثلاثة: تسويد شعر الجارية، تجعيده، جمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها، لا يعني أنه لا يثبت إلا في هذا، بل هذه أمثلة، والضابط ما ذكرناه لكم: وهو إظهار المبيع بصفة مرغوب فيها وهو خالٍ منها، من ذلك: تصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، تصرية؛ يعني: جمع اللبن في ضرع البهيمة، وهو مُحَرَّم، قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم:«لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ»(٧)، فيربط ضرع البهيمة، ويجتمع اللبن في الضرع، فإذا جلبها في السوق ورآها المشتري ظن أن هذا عادتها، وأن لبنها كثير، فيزيد في ثمنها، إذا وقع هذا من البائع -أعني التدليس- فماذا يصنع؟
نقول: أما التصرية فإن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم حكم فيها بحكم الله -عزّ وجل- قال:«وَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ -أي: بعد التصرية- فَهُوَ بِالْخِيَارِ؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ»، وفي رواية:«هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»(٨)؛ يعني: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل له الخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسك وإن شاء رَدَّ، وجعل له الثلاثة؛ لأجل أن يستقر اللبن؛ لأنه ربما يستقر على هذه الكثرة، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر، إن شاء أمسكها، وربما يمسكها ولو كان لبنها قليلًا؛ لأنه يريد عين هذه البهيمة أو يمكن يرتفع السعر في أثناء هذه المدة، فيختارها ولو كان لبنها قليلًا، لكن إذا قال: أنا أريد أن أردها. نقول: لا بأس، رُدَّها ورُدَّ معها صاعًا من تمر.
وحينئذٍ يرد إشكال:
أولًا: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو حكم بأن يُرد معها صاع من تمر، والإشكال هنا: هذا الصاع من التمر هل هو عوض عن اللبن الحادث بعد العقد، أو هو عوض عن اللبن الموجود حين العقد؟