إذَن الحكمةُ تحقيقُ العبادة بالتسليم لله سواءٌ علِمْنا أمْ لم نَعْلمْ، وهذه واللهِ حِكْمةٌ عظيمةٌ، هذه حِكْمةٌ من أعظمِ الحِكَم، وإِنْ شئتم ولو أطَلْنا قليلًا؛ رَمْيُ الحصى في محلِّ الجمراتِ في الحجِّ، لو قال قائلٌ: ما حِكْمتُه؟ حِكْمتُه التعبُّد لله؛ «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ»(٣). فالتعبُّد لا شكَّ أنه من أعظم الحِكَم، ولهذا قال بعضُ العلماء: إن النهي عن الصلاة في أعطانِ الإبل تعبُّديٌّ؛ يعني أننا لا نَعْلم عِلَّته، لكن نتعبَّد لله تعالى به.
سؤال: أيُّما أعظم انقيادًا واستسلامًا؛ أنْ يستسلم الإنسانُ للأمر إذا لم يعلمْ حِكْمتَه، أو يستسلم له إذا علم حِكْمته؟
الطلبة: الأوَّل.
الشيخ: الأوَّل أعظم.
وقال بعضُ العلماء: بل لأنها نجسةٌ؛ لأن أرواثها نجسةٌ وأبوالها نجسةٌ. وهذا مبنِيٌّ على أن الأبوالَ والأرواثَ نجسةٌ ولو من الحيوان الطاهر، والصحيح خِلافُه كما تقدم في باب النجاسة، ولكن هذه العِلَّة باطلةٌ؛ إذْ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصلاةُ في مرابض الغَنَم؛ لأن مرابض الغَنَم نفْس الشيء، فالقائلون بنجاسة أبعار الإبل وأبوالها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأنَّ الإبلَ شديدةُ النُّفور، وربما تنفر وهو يصلِّي، فإذا نَفَرَتْ ربما تَدْعسه؛ تطؤُهُ بأقدامها، وينشغل قلْبُه، حتى وإنْ لم تطأْهُ ينشغل قلْبُه، لو كانت الإبل هذه تهيج، تراوغ، ينشغل قلبه، فيكون النهيُ عنها لئلَّا ينشغل قلْبُه. لكن هذه العلَّة أيضًا فيها نَظَرٌ؛ لأن مقتضاها ألَّا يكون النهيُ إلا والإبلُ موجودةٌ، ثم قد تُنقَضُ بمرابض الغَنَم؛ الغَنَم إذا قامتْ تهيج وأيش؟
طالب:( ... ).
الشيخ: وتَيْعَر، ومعها تَيْس يريد ضرابها، تشغل، فهلْ نقول: إنها مثلها؟ لا، إذَنْ هذه العلَّة أيضًا عليلةٌ.