للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما القسم الثاني: فهو التصوير الثابت على الورق، وهذا إذا كان آلة فوتوغرافية فورية فلا يدخل في التصوير، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن هذا الرجل ملعون؛ لأنه لم يصور في الورق، فإن التصوير مصدر: صَوَّر يصوِّر؛ أي: جعل الشيء على صورة معينة، كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: ٦]، وقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: ٣].

فالمادة تقتضي أن يكون هناك فِعْل فُعِل في نفس الصورة؛ لأن (فَعل) في اللغة العربية هذا مقتضاها.

ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه، وإذا كان ليس على هذا الوجه لا نستطيع أن ندخله في اللعنة، ونقول: إن هذا الرجل ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ دخوله فيه يجب علينا أيضًا التورع في منع مالم يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب.

فكما نتورع في الإيجاب، نتورع أيضًا في السلب، وكما نتورع في السلب نتورع في الإيجاب؛ لأن المسألة ما هي مجرد إن هذا حرام ولّا ما هو حرام سيترتب عليها عقوبة.

فهل نشهد على أن هذا معاقب باللعن وشدة الظلم وعدم التكليم، وما أشبه ذلك؟

لا، وأن يكون ملعونًا أو ما أشبه ذلك؟

ما نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح، ولهذا يفرق بين رجل أخذ كتابي الذي خططته بيدي وألقاه في الآلة الفوتوغرافية وحرك الآلة وانسحبت الصورة، فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم من؟

رسم الأول، ويقال: هذا خطه، ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك وأقلده بيدي أرسم مثل حروفه وكلماته، فأنا الآن صحيح أنني حاولت أن أقلدك، وأن أكتب كما كتبت، وأصور كما صورت، أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا، ولهذا ممكن أن أصور في الليل، وممكن أن يصور الإنسان وهو قد أغمض عينيه، وممكن أن يصور الرجل الأعمى، فكيف نقول هذا مصوِّر؟

<<  <  ج: ص:  >  >>