يقول رحمه الله:(وقبله فيه دم) قبل أيش؟ قبل منتصف الليل، (فيه دم) خلافًا لمن قال: إنه يكفي في النزول في مزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء وينصرف؛ لأنه صدق عليه أنه ذكر اسم الله عند المشعر الحرام، والله عز وجل يقول:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}[البقرة: ١٩٨] وقد حصل، فإن الصلاة من أعظم الذكر، لكن الصواب ما سمعتم؛ أنه لا بد أن ينتظر حتى يذهب عامة الليل وينصرف في آخر الليل.
(كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله)(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة بعد الفجر، فإنه إذا وصل إليها بعد الفجر فقد انقضى الليل، فيلزمه دم.
وظاهر كلام المؤلف حتى ولو أدرك صلاة الفجر مبكرًا فإنه يلزمه دم؛ لأنه ترك واجبًا، ولكن عند مناقشة هذه المسألة يشك الإنسان في إيجاب الدم عليه إذا أدرك صلاة الفجر في وقتها المبكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» يعني: صلاة الفجر التي بكَّر فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة بكَّر بصلاة الفجر حتى صلاها قبل وقتها المعتاد؛ يعني قبل فعلها المعتاد، فإذا أدرك الفجر في الوقت المبكر وقد وقف قبل ذلك بعرفة، فلا وجه لوجوب الدم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة إيه؟ قال:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ»(١١).
فإيجاب الدم على من وصل إليها بعد طلوع الفجر، لا سيما إذا كان بعد تعب وعناء وتعطل السيارة -مثلًا- وما أشبه ذلك، أقول: إيجاب الدم عليه فيه نظر، حتى على قاعدة: أن من ترك واجبًا فعليه دم.