للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى كل حال فإيجاب الدم بترك الواجب ليس أمرًا يقطع به الإنسان أو يغلب على ظنه من الناحية النظرية؛ لأنه ما فيه دليل إلا هذا الأثر.

لكن من الناحية التربوية ينبغي أن يُفْتَى الناس بذلك، وأن يقال: يلزم من ترك واجبًا دمٌ يُذْبَح في مكة ويوزع على الفقراء ولا يُؤْكَل منه شيء.

فإذا قال قائل: كيف تستبيحون أموال عباد الله بدون دليل؟

قلنا: لا حرج في هذا؛ فإن التعزير بالمال جاءت به السنة، كإحراق رحل الغال (٧)، وإضعاف القيمة على من كتم ضالة، وما أشبه ذلك، فنجعل هذا أقل ما نقول فيه: إنه من باب التعزير والردع؛ لأن عامة الناس إذا لم يمسهم الأخذ من المال لا يبالون بترك الواجب، شاهدنا هذا. إذا قلت: يا فلان، ما عليك دم، قال: ويش علي؟ قلنا: عليك التوبة والاستغفار. قال: سهل. لكن لو تقول: عليك دم صار يحمر ويصفر، متى نحصل على الدم؟ وكيف نوزع الدم؟ وما أشبه ذلك.

فإذا قال قائل: إذا عدم الدم ماذا يصنع؟

قال أصحابنا رحمهم الله: إنه يصوم عشرة أيام؛ قياسًا على هدي التمتع الذي إذا لم يجده الإنسان يصوم عشرة أيام.

ولكن هذا القياس فيه نظرٌ، ليس بمطرد. وجه ذلك: أن دم التمتع إنما وجب شكرًا لله على النعمة، وهذا إنما وجب توبة إلى الله تعالى وجبرًا لما نقص. هذا من جهة.

من جهة أخرى أن دم التمتع يُؤْكَل منه ويُهْدَى ويُتَصَدَّق، والدم الواجب لترك واجب لا يُؤْكَل منه؛ لأنه بمنزلة الكفارة، وإنما يُتَصَدَّق به على الفقراء في مكة.

لكن -كما قلت لكم- نُفْتِي بإيجاب الدم على من ترك واجبًا، ونقول: هكذا قال العلماء، ونخرج -إن شاء الله تعالى- من العهدة بنسبة هذا للعلماء، ولا حرج علينا أن نسلك الطريق الأشد في تربية الناس والتزامهم للواجب، وهذا له نظائر عن السلف رحمهم الله.

نرجع إلى كلام المؤلف يقول: (وله الدفع بعد نصف الليل) (نصف الليل) من متى؟ هل نقول: من الغروب إلى الشروق أو من الغروب إلى طلوع الفجر؟

<<  <  ج: ص:  >  >>