للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعُلِم من كلامه أنه ليس له أن يدفع قبل منتصف الليل. ووجه ذلك: أن المبيت يُطْلَق على الكل أو الأكثر، ولا يمكن أن يكون الأكثر إلا بعد منتصف الليل، فيقولون رحمهم الله: إن الحكم معلق بنصف الليل؛ لأنه إذا مضى نصف الليل صار أكثر وقته في مزدلفة، والأكثر ملحق بالكل. وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر على مزاحمة الناس من الرجال البالغين الأقوياء وغير القادر.

قال: (وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله) (وقبله) أي: قبل منتصف الليل، (فيه دم) لأنه ترك واجبًا، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (٦). قال بعضهم: ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.

والحقيقة أنه يمكن أن يقول قائل: إن للاجتهاد فيه مجالًا وهو قياسه على حلق الرأس؛ لأن حلق الرأس انتهاك محظور، والالتزام بالمحظور -أي بتركه- واجب، فكذلك إذا ترك الواجب المأمور به فقد انتهك التزامه، فيلزمه دم.

والقول بأنه لا مجال للاجتهاد فيه فيه نظر. ولكنا نقول: على الأقل هو قول صحابي، ولا نثبت له حكم الرفع للشك في كونه له حكم الرفع. وحكم الرفع يعني أنه يُنْسَب إلى الرسول، وهذا صعب أن تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا لم يتبين نسبته إليه، فنقول: على الأقل اجعله قول صحابي.

ويبقى المناقشة الثانية في هذا القول؛ هل قوله رضي الله عنه: (فليهرق دمًا) على سبيل الوجوب؟

إن قلنا: على سبيل الوجوب أشكل؛ لأن ظاهر قوله: (من ترك شيئًا من نسكه) يعم كل شيء، حتى الرمل والاضطباع والسعي بين العلمين، وما أشبه ذلك، وركعتي الطواف، وهذا ليس بواجب، ولا يجب في تركه دم، أو يقال: إنه من باب المشترك الذي يُحْمَل على معنييه جميعًا، فيكون في موضع للوجوب، وفي موضع للاستحباب.

<<  <  ج: ص:  >  >>