ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا وصل إلى مزدلفة قريبًا من العشاء نزل وأذَّن المؤذن وصلى المغرب، ثم دعا بالعَشاء فتعشى، ثم أذن وصلى العشاء، وكأن ابن مسعود رضي الله عنه رأى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين المغرب والعشاء للضرورة؛ لأنه سائر من عرفة إلى مزدلفة، فما ظنكم لو وقف في الطريق وصلى ماذا يحصل؟ يحصل أذى كثير على الناس؛ إبل كثيرة كلها مشرئبة إلى المسير إلى المزدلفة، لو وُقِّف الناس في هذا المكان وصلوا لكان في هذا مشقة عظيمة؛ يحتاجون إلى وضوء، ويحتاجون إلى إناخة الإبل، وفيه مشقة، فلذلك لم يصلِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إن أسامة بن زيد ذكَّره وقال: يا رسول الله، الصلاة، قال:«الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»(٢٣).
ومن ثم رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب والعشاء في غير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيش؟ «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا يعول عليه.
هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب ثم صل العشاء في وقتها؟
نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن، الإنسان ربما ينطلق أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه.