وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام حتى في البهائم؛ لأنه إذا أتى حبلًا -يعني طلعة- والناقة مشنوقٌ زمامها تتعب، ولهذا تجد الإبل عندما تسير هرولة تمد عناقها كأنما تسبح في الهواء، فلو بقي قد شنق الزمام لها لتعبت، لكنه عليه الصلاة والسلام كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، اللهم صلِّ وسلمْ عليه.
يقول:(ويجمع بها بين العشاءين) إذا وصل إلى مزدلفة جمع فيها بين العشاءين؛ يعني المغرب والعشاء.
وهنا سؤال؛ هل يُسَن أن يقف عند المأزمين ويبول ويتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم يركب؟
الجواب: لا، مع أن هذا وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن وقع من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقًا أو قصدًا؟ اتفاقًا لا شك؛ يعني وقع له اتفق له أن احتاج إلى النزول فنزل، خلافًا لبعض الصحابة الذين ظنوا أن هذا من باب السنة، فصاروا إذا وصلوا المكان نزلوا وبالوا وتوضؤوا وضوءًا خفيفًا وركبوا، ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الصحابة خالفوا عبد الله بن عمر في هذا الأصل، وقالوا: ما وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتفاقًا فلا يُتَعبد به، وهذا الأصل أصح؛ أنه ليس عبادة.
قوله رحمه الله:(ويجمع بين العشاءين) ظاهره أنه يجمع بين العشاءين متى وصل إلى مزدلفة، سواء وصلها في وقت المغرب أو في وقت العشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بينهما من حين وصل.
ولكن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء؛ لأنه انطلق من أقصى عرفة وهو يقول:«السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ» وقد شنق لناقته القصواء الزمام، ونزل وبال وتوضأ (٢٢)، فلا جرم ألَّا يصل إلا بعد مغيب الشمس.