وليس المراد إذا كان هذا عادة الإنسان في جميع الناس؛ لأنه لو كان كذلك لكان الحاسد لا تُقْبَل شهادته؛ لأن الحاسد -نعوذ بالله من الحسد- يسره مساءة الناس، ويغمه فرحهم، كما قال الله تعالى:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[النساء: ٥٤]، وقال تعالى:{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}[النساء: ٣٢]، كثير من الناس -والعياذ بالله- قلبه مملوءٌ من الحسد، إذا أتى الناس ما يسوؤهم -وإن كان لا علاقة له بهم- فإنه يُسَرُّ، وإذا حصل لهم فرح فإنه يُسَاء ويغتم.
هذا ليس مراد المؤلف، مراده: إذا كان شخصًا معينًا؛ ولهذا قال:(مساءةُ شخصٍ) ولم يقل: (مساءة الشخص) على سبيل العموم.
إذنْ إذا علمنا أن هذا الرجل إذا أصاب فلانًا ما يسوؤه فرح وسُرَّ بذلك، وصار يتحدث للناس: أفرأيتم ما حصل لفلان، وما حصل لفلان، وما حصل لفلان؟ وإذا حصل له سرور وفرح اغتم، يا فلان ليش اليوم محزن؟ قال: لأن فلانًا ربح ربحًا عظيمًا، لماذا محزن اليوم؟ قال: لأن فلانًا نجح. هذا عدو ولَّا لا؟ عدو؛ لأن الصديق يفرح لفرحك، ويغتم لغمك، أما هذا فعدو.
على كل حال، المسألة هذه -في الحقيقة- لو أنها وُكِلَت إلى القضاة وقيل: إن الحاكم بإمكانه أن يعرف الأمور بالقرائن لكان هذا له وجه؛ لأن الضابط هنا مُشْكِل، فإذا قلنا: إن التهمة هي المانع، فالتهمة قد تقوى وقد تضعف، وضبطها مشكل، لكن لو قلنا: إن القاضي ينظر في كل مسألة وفي كل قضية بعينها ويحكم بما أراه الله عز وجل لكان هذا له وجه.
ثم قال في المؤلف رحمه الله عندي في الشرح يقول: ولا تُقْبَل شهادة من عرف بعصبية وإفراط في حمية؛ كتعصب قبيلة على قبيلة، وإن لم يبلغ رتبة العداوة.