استثنى المؤلف من قوله:(لزمه الوفاء به) إذا نذر الصدقة بماله كله (فإنه يجزئه قدر الثلث)، واستدل الأصحاب -رحمهم الله- لهذا بحديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وحديث أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه، أما كعب بن مالك فإنكم تعلمون قصته، تخلف عن غزوة تبوك بدون عذر، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك جاء المنافقون يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعذرهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله، ويفرحون بهذا؛ لأنهم أهل ظاهر، فيفرحون بالظاهر، ويقولون: يكفينا استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لنا، وما علموا أن الله قال:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}[التوبة: ٨٠]، والعياذ بالله.
أما كعب بن مالك رضي الله عنه، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع فصدقوا، وقالوا: ما لنا عذر، وكعب بن مالك رضي الله عنه تكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بكلام فصيح عجيب؛ لأنه أشب القوم وأجلدهم، قال: إني أوتيت جدلًا؛ يعني أقدر أخاصم، وأعرف أتخلص، ولكن لا يمكن أن أتقدم إليك بعذر اليوم فتعذرني، ثم يفضحني الله تعالى غدًا.
الله أكبر! شوف الإيمان واليقين، المنافقون قال الله فيهم:{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أما هذا فلإيمانه أعطى الصدق، وقال: إني أنا ما لي عذر، وَمَا مَلَكْتُ رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ فِي غَزْوَةٍ كَهَذِهِ (٨)، لكن راحلتي .. ولكن أخذه التسويف، لما خرج الناس أول يوم، قال: أبغي أنتظر، وبكرة ألحقهم، في اليوم الثاني قال: بكرة ألحقهم، حتى ذهب الوقت، النبي عليه الصلاة والسلام ماذا عامله؟