للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما النظر: فلأن وقت الصلاة الثانية وقت للأولى عند العذر الذي يبيح الجمع، فلما كان وقتًا لها عند العذر صار إدراكُ جزء منه كإدراك جزء من الوقتين جميعًا، وهذا هو المشهور من المذهب.

وقال بعض أهل العلم: إنه لا يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فأما ما قبلها فلا يلزمه. واحتجوا بالأثر والنظر.

أما الأثر: فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، و (أل) في قوله: (الصلاة) للعهد، أي: أدرك الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما الصلاة التي قبلها فلم يدرك شيئًا من وقتها، وقد مر به وقتها كاملًا وهو ليس أهلًا للوجوب، فكيف نُلْزِمُه؟ !

وأما النظر فقالوا: إن هذا مقتضى القياس الصحيح؛ لأننا متفقون وإياكم على أنه لو أدرك ركعةً من صلاة الظهر ثم وُجِد مانع التكليف لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت للظهر والعصر عند العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟ ! كلتاهما أتى عليه وقت إحدى الصلاتين وهو ليس أهلًا للتكليف.

لكن في المسألة الأولى مر عليه وقت الصلاة الأولى، وفي المسألة الثانية مر عليه وقت الصلاة الثانية، فأنتم إما أن تُلْزِمُوه بالقضاء في المسألتين -كما قال به بعض العلماء- وإما ألَّا تُلْزِمُوه فيهما كما قاله أيضًا آخرون، أما أن تُفَرِّقُوا فلا وجه لذلك.

فإن قالوا: فرَّقنا بناءً على الأثر الوارد عن الصحابة، فالجواب: الأثر الوارد عن الصحابة ربما يُحْمَل -إن صح- على سبيل الاحتياط فقط، خوفًا من أن يكون المانع قد زال قبل أن يخرج وقت الأولى، ولا سيما في الحيض، فإن الحيض قد لا تعلم المرأة به إلا بعد مدة من طهارتها، يعني قد لا تشعر بأنها طهرت من حين ما تطهر في ربع ساعة وعشر دقائق وما أشبه ذلك، فلعل ما جاء عن الصحابة يكون محمولًا على الاحتياط لا على سبيل الوجوب.

<<  <  ج: ص:  >  >>