أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي، وهذا أيضًا هذا محلٌ خطيرٌ جدًّا، يشترط للكفر أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي أي: بأن هذا مكفر شرعًا.
فالأول اللي قلناه عالمٌ بالحال، هذا من باب تحقيق المناط، وهذا من باب العلم بالحكم الشرعي الذي هو معرفة الدليل؛ لأنه لا بد من معرفة الدليل، وأن هذا مما يدخل في الدليل؛ علمان: معرفة الدليل، ومعرفة أن هذا مما يدخل في الدليل، الثاني: إذا جهل نقول: هذا جهلٌ بالحال الذي كنت أتكلم عليه قبل قليل.
العلم بالدليل أيضًا لا بد أن يعلم بأن هذا القول أو هذا الفعل مكفر، فإن لم يعلم بأن لم يبلغه الشرع أن هذا مكفر فإنه لا يكفر؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: ١١٥]، فانظر إلى قوله:{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} نعم فمن لم يتبين له الهدى إذا شاق الرسول لا يستحق هذا الجزاء، وإذا ارتفع هذا الجزاء ارتفع سببه وهو الكفر، وقال الله عز وجل:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}[التوبة: ١١٥] فلا بد أن يبين الله سبحانه وتعالى ما يُتقى حتى يتقيه العبد.
وقال الله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}[الإسراء: ١٥]، فإذا كان هذا في أصل الدين ما يعذب الإنسان عليه حتى يبعث الرسول فكذلك في الفروع، وقال تعالى:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}[القصص: ٥٩]، ولا ظلم لمن أتى شيئًا لا يعلم أنه معصية أو أنه كفر.