أما عموم السنة في قوله:«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ»(٣) فنازعوا أن تكون (أل) هنا للعموم، وقالوا: إن (أل) هنا للعهد، والمراد «مِنَ الرَّضَاعِ» أي: الرضاع المحرِّم؛ وذلك لأن نصوص الشرع تحمل على أي شيء؟ على المعهود الشرعي، {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}[البقرة: ٢٧٥] البيع هنا، هي تحمل (أل) هنا على العموم ولَّا تحمل على العهد؟ على العهد، ما تعم كل بيع، البيوع المحرمة غير داخلة في هذه الآية؛ كبيع أهل الجاهلية المتضمنة للغرر، فإذن نقول:(أل) الواردة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ»(٣) المراد به العهد الذهني، فيعود الرضاع هنا إلى المعنى المعتبر شرعًا؛ وهو الرضاع المحرِّم.
ذكرنا أيضًا لهم دليل ثالث نسيته، استدلوا أيضًا بحديث سالم مولى أبي حذيفة فقالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»(٢)، فهذا دليل على أن رضاع الكبير مؤثر.
وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى التفصيل في ذلك؛ وقال: إن دعت الحاجة إلى المحرمية في رضاع الكبير فإنه يعتبر، وإلا فلا يعتبر، واستدل بقصة سالم مولى أبي حذيفة؛ فإنه رجل كبير بالغ، ولكن الرسول قال لها:«أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، وهذا لا شك أنه لحاجة.
فإذا قال: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يجب أن نعلم أن خصوص السبب ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون خصوص السبب فيه مجرد الشخصية فقط؛ يعني أن هذا الشخص هو سبب الحكم، فهنا لا شك أنه لا عبرة بخصوصه، إذا كان السبب تخصيصًا بالشخصية فإنه لا شك أنه لا عبرة به، حطوا بالكم لهذه القاعدة.
فمثلًا أوس بن الصامت هو سبب نزول آيات الظهار، فهل نقول: إن حكم الظهار يختص به؟ لا، ما يختص به بالإجماع؛ لأنه سبب شخصي، وكما قلنا فيما سبق: إن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تُعَلَّق بالأشخاص لمجرد أنه فلان بن فلان.