ويصح التوكيل في الحدود، الحدود سبق لنا قريبًا تعريفها، وقلنا: إنها جمع حد، وهو في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: عقوبة مقدَّرة شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفِّر ذنب صاحبها، كحد الزنا مثلًا، فيصح أن توكِّل شخصًا في حضورك في إثباتها واستيفائها؛ في إثباتها بأن يقول الحاكم لشخص: اذهب إلى فلان ليُقِرَّ بما يقتضي الحد، هذا في إثباتها، واستيفاؤها يكون المذنب قد اعترف وثبت الحد، فيوكِّل مَن يقيم هذا الحد، نقول: هذا لا بأس به.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنيس -رجل من الأنصار-: «اذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»(٤)، هذا فيه توكيل في إثبات الحدود وفي استيفائها؛ «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ» هذا إثبات، «فَارْجُمْهَا» هذا استيفاء، إذن يجوز أن يُوَكَّل في الحدود لإثباتها واستيفائها.
في القصاص؛ لو أن أهل الميت الذين وجب لهم القصاص وَكَّلُوا شخصًا يقتص منه، يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن أولياء المقتول هم الذين يباشرون قتل القاتل، ما هو الحاكم، الحاكم والسلطان يباشر قتل القاتل في الحدود، لكن في الحقوق الذي يباشر هو صاحب الحق، قال الله تعالى:{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}[الإسراء: ٣٣]، {فَلَا يُسْرِفْ} الضمير يعود على مَن؟
هل يجوز الاستيفاء؛ استيفاء الحدود في غيبة الموكِّل؟ قلنا: لا بد من حضور الموكِّل، يجوز في غيبة الموكل؛ لأن الوكيل يقوم مقام موكله، وهو ظاهر الحديث الذي أشرنا إليه آنفًا، حيث قال:«إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»(٤)، ولم يقل: فأت بها، أو فَآذِنِّي حتى أحضر، فدل ذلك على جواز الاستيفاء بحضرة الموكِّل وغيبته.