لكن لو باعه تولية: تعلمون بيع التولية؟ ما هو؟ أن يبيعه برأس ماله، فالمذهب لا يصح. وقال شيخ الإسلام: إنه يصح، أيهما أصح؟ المذهب أصح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:«فَلَا يَبِعْهُ»، وهذا عام، أما شيخ الإسلام فإنما أجاز البيع تولية؛ قال: لأنه إنما نهي عن البيع قبل قبضه في حال الربح؛ لئلا يندم البائع أو يتحيل لفسخ البيع.
فأما إذا بيع تولية بدون ربح، أو باعه لبائعه فعنده -رحمه الله- إنه لا بأس بذلك، ولكن عموم حديث الرسول عليه الصلاة والسلام يشمل بيعه تولية، والذي ينبغي لنا أن نأخذ بماذا؟ بعموم الحديث، وقد سبق لنا أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم؛ لأنه من الجائز أن تكون العلة هذه خطأً وأن استنباطنا لها ليس بصواب، فلا نخصص بها عموم الكتاب والسنة بمجرد أن نقول: إن الحكم مبني على هذه العلة.
وعلى هذا فيكون هذا من المواضع التي يُخالَف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع أنه رحمه الله غالب اختياراته أقرب إلى الصواب من غيره، كل ما اختاره إذا تأملته وتدبرته وجدت أن ما يختاره أقرب إلى الصواب من غيره، لكنه ليس بمعصوم، لدينا نحو عشر مسائل أو أكثر كلها نرى أن الصواب في خلاف كلامه -رحمه الله- لأنه كغيره من الناس يخطئ ويصيب.
ومع ذلك فإذا جزمنا بأن الصواب في خلافه فلسنا على يقين من ذلك؛ قد نكون نحن المخطئين وهو المصيب، لكن الإنسان {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة: ٢٨٦]، لا يُكلَّف غير ما يستطيع هو بنفسه، فإذا رأى أن الحق في قول فلان أو فلان فواجب عليه اتباعه.
وإن كنا والله نرى أن لشيخ الإسلام رحمه الله من العلم والفضل والأجر العظيم -الذي نسأل الله تعالى أن يوفيه كاملًا- ما لا يوجد لدى كثير عند علماء المسلمين، لكن مع ذلك لا نرى أنه معصوم، نرى أنه كغيره يخطئ ويصيب.