للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

إذن التبايع بعد النداء الأول جائز، وبعد النداء الثاني لا يجوز، وشمل قوله: (لا يصح البيع بعد النداء الثاني) شمل بيع رجلين أقبلا إلى المسجد بعد الأذان فتبايعا وهما يمشيان إلى المسجد، يصح ولَّا لا؟ لا يصح، ما دام وقع بعد النداء حتى في طريقهما إلى المسجد لا يجوز، وحتى قبل بدء الخطبة؟ نعم؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: ٩] يعني: اتركوه.

فإن قلت: لماذا لا تقولون: إن البيع حرام وصحيح، كما قلتم: إن الرجل إذا تلقى الجلب واشترى منه فإن هذا حرام، والبيع صحيح؟

فالجواب أن الفرق بينهما ظاهر؛ أولًا: لأن حديث التلقي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٣)، وثبوت الخيار فرع عن صحة العقد، فيكون في الحديث دليل على أن العقد صحيح.

والفرق الثاني أن النهي عن التلقي ليس نهيًا عن العقد لذاته، ولكن نهي عن العقد لحق الغير؛ حيث إنه ربما يكون في ذلك خديعة للقادم، فيشتريه المتلقي بأقل؛ ولهذا جعل الحق له في إمضاء البيع أو فسخه، أما مسألتنا التي نحن نتكلم عليها الآن فالنهي عن البيع بعينه، وما نُهِيَ عنه بعينه فإنه لا يمكن أن نقول: إنه صحيح؛ سواء في العبادات، أو في المعاملات؛ لأن تصحيحنا لما جاء فيه النهي بعينه إمضاء لهذا الشيء الذي نهى الشارع عنه، والذي نهى الشارع عنه ماذا يريد منا؟ أن نتركه، وأن نتجنبه، فإذا حكمنا بصحته فهذا من باب المضادة لأمر الله سبحانه وتعالى.

<<  <  ج: ص:  >  >>