قال المؤلف:(ويُكْرَه في ليلتهما) أي: ليلتي أيام التشريق، لكن المؤلف يرى أن أيام الذبح يومان؛ ولهذا جاءت بالتثنية (في ليلتهما) أي: ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر يكره أن يذبح، لماذا؟
قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، وقال:«أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وهذا يدل على أن محل الذبح هو اليوم، وعلى هذا فيُكْرَه الذبح في الليل، ولأن الذبح في الليل ربما يعمد إليه البخلاء من أجل أَلَّا يتصدقوا فلهذا كُرِه.
وقيل في علة الكراهة: خروجًا من الخلاف؛ أي: خلاف من قال من العلماء: إنه لا يجزئ الذبح ليلًا لأن الله تعالى قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}[الحج: ٢٨].
والتعليل بالخلاف فيه خلاف، والصحيح أنه لا تعليل في الخلاف، ولو أننا أخذنا بهذا القول -أي: بالتعليل بالخلاف- ما بقي مسألة مباحة؛ لأنه لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف.
فإذا قلنا: إن مراعاة الخلاف لازمة، وإنه يجب أن ندع ما فيه الخلاف من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك لم يبق مسألة إلا وهي مكروهة، فالصواب أنه لا تعليل في الخلاف.
ولكن يقال: إن كان الخلاف له حظ من النظر -أي من الدليل- فإننا نراعيه، لا لكونه خلافًا ولكن لما يقترن به من الدليل الموجب للشبهة، وهذا هو الصحيح، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأنكر التعليل بالخلاف، وما ذكره صحيح؛ فإن الخلاف إذا لم يكن له حظ من النظر فإنه لا عبرة به، ولهذا قيل:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرا
إِلَّا خِلَافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ
فما هو الصواب إذن؟ الصواب أنَّ الذبح في ليلتهما لا يُكْرَه إلا أن يُخِلَّ ذلك بما ينبغي في الأضحية، فيُكْرَه من هذه الناحية لا من كونه ذبحًا في الليل.