زاد بعض العلماء المبيتَ بمزدلفة، واستدلُّوا لذلك بقوله تعالى:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} إلى آخره {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}[البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عروة بن الْمُضَرِّس:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يعني الفجر- وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ»(٧)، ففُهِم منه أنَّ مَن لم يقِفْ بمزدلفة لم يَتِمَّ حجُّه، وإلى هذا ذهبَ بعضُ السَّلَف والخلَفِ، وهو لا شك قَوِيٌّ؛ القولُ بأنَّ المبيتَ بمزدلفة ركنٌ من أركان الحج قويٌّ.
لكن الذين قالوا بأنه ليس بركنٍ قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ -يعني يوم عرفة- فَقَدْ أَدْرَكَ»(٤).
وأجابوا عن حديث عُروة بأنَّ الإتمامَ يكون على وجوهٍ: تارةً يكون إتمامَ ما لا يصِحُّ الشيءُ إلا به، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع التحريم، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع نفْي التحريم. والمرادُ بالإتمام في حديث عروة بالنسبة لمزدلفة: إتمامُ الواجبِ الذي تصِحُّ العبادةُ بدونه، وهذا هو رأيُ الجمهور.
ومِن العلماء مَن قال: إنَّ الوقوفَ بمزدلفة سُنَّةٌ وليس بركنٍ ولا واجبٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«الْحَجُّ عَرَفَةُ»(٤).
لكن أَعْدل الأقوالِ وأَصْوبها أنه واجبٌ وليس بركنٍ، والإنسانُ يتحرَّجُ أنْ يقول لشخصٍ وقفَ بعرفة وطاف وسَعَى ولكنه لم يقِفْ بمزدلفةَ، يتحرَّج أنْ يقول: إنه لا حجَّ لك. ولكن يقول: لك الحجُّ وعليك دمٌ. كما سيأتي في الواجبات.