آخر عهدهم بالبيت، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطواف آخر شيء، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الحجاج من كونهم يطوفون للوداع، ثم يخرجون إلى منى ويرمون الجمرات، ثم يغادرون، فإن فعلهم خطأ، لماذا؟ لأن آخر عهدهم بالجمار وليس البيت، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما طاف للوداع بعد الانتهاء من النسك كله.
وقوله:(فإن أقام) ظاهره مطلقًا أنه إذا أقام بعد طواف الوداع، سواء كانت الإقامة طويلة أم قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت.
فمثلًا إذا طاف وخرج ينتظر رفقته في البيت، أو ينتظر رفقته في السيارة، وتأخروا، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، وكذلك لو فرض أنه طاف ولما ركب وسار، صار في السيارة الخراب، فجلس في مكة من أجل إصلاح هذا الخراب، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، لماذا؟
لأنه إنما أقام لشيء ينتظر متى انتهى واصل السفر.
وقول المؤلف:(أو اتجر بعده أعاده)، أو اتجر يعني اشترى شيئًا للتجارة، أو باع شيئًا للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة في طريقه لا تجارة فإنه لا بأس به، فلو أنه خرج بعد أن ودَّع ثم مر بالبقالة واشترى أشياء يحتاجها في سفره، أو اشترى هدايا لأهله، فإن ذلك ليس بتجارة ولا يضر، على أننا نُرغِّب أن يكون شراؤه هذا قبل طوافه.
وعُلم من كلام المؤلف أنه إذا طاف للوداع فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد - القهقرى يعني على وراء - ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثًا، ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، إذا ودعت فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة، ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن يرجع القهقرى، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف ونظر إلى الكعبة وودعها، بل كان عليه الصلاة والسلام ودع ومشى على المعتاد.