(وإن تركه) غير حائضٍ (رجع إليه)، إن تركه أي الحاج، غير حائض يعني ولا نفساء، فإنه يرجع إليه، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع لو طهرت إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يلزمها الرجوع، أما لو طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير ولو داخل الحرم فإنه لا يلزمها أن ترجع، الدليل على هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما: إلا أنه خُفف عن الحائض (٨).
قال:(وإن تركه) غير حائض (رجع إليه، فإن شق، أو لم يرجع، فعليه دم) إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، أو لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
وقول المؤلف:(إن تركه رجع إليه فإن شق)، تركه إلى أين؟
يقول: إذا تركه قبل مسافة القصر ولم يرجع قبل مسافة القصر فإن جاوز المسافة استقر عليه الدم، سواء رجع أم لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع.
وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع ثم رجعوا بعد أن خَفَّ الحرم وطافوا فإن الدم لا يسقط عنه لأنه استقر في مسافة القصر أو بوصوله إلى بلده، حتى لو فرض أن أناسًا من بلد دون جدة كأهل بحرة مثلاً فإنهم إذا وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم؛ لأنهم تركوه وانتهوا منه.
وقول المؤلف:(فعليه دم) إذا قيل: ما هو الدليل على وجوب الدم؟ قلنا: الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (٩).
وهذا نسك واجب أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون في تركه دم، وهذا الحديث أو وهذا الأثر مشهور عند العلماء، واستدلوا به وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال، فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له الحكم؟