فحديث ابن عمر في الصحيحين (٦)، وحديث جابر في مسلم (٨)، وكلاهما صحيح، فهل بينهما تعارض؟ لا، ليس بينهما تعارض؛ لأنه يُحْمَل على أن جابرًا لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي صلى الله عليه وسلم به على البيداء، ولن ينقل ما لم يسمع، وابن عمر سمعه يلبي، متى؟ حين استوى على راحلته، فنقل كلٌّ منهما ما سمع.
بقينا فيما رواه النسائي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ دُبُرَ صلاته (٩)، وهذا يدل على أنه أَهَلَّ بعد الصلاة؟
فيقال: دُبُرُ الصلاة ما كان بعدها، ولما استوى على راحلته فهو دُبُرُ الصلاة، وحتى إذا عَلَت به راحلته على البيداء فهو دُبُرُ الصلاة، فلا تناقض.
لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة -ابن عباس- وقال: إن الناس نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لَبَّى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أَهَلَّ دُبُرَ الصلاة، ولَبَّى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لَبَّى حين ركب، وسمعه أناس حين استوت به راحلته على البيداء يلبي، فقالوا: لَبَّى حين استوت به راحلته على البيداء (١٠)، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهرًا؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جرَّبْنَا أن الأَوْلَى أن لا يلبي إلَّا إذا ركب، ليش؟ لأنه أحيانًا يتفطن الإنسان لشيء، يكون ناسيًّا شيئًا كطِيب أو شبهه، ويتفطن له إذا أراد أن يركب، فإذا قلنا: أَحْرِم بعد الصلاة، لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّي الإحرام إلا بعد الركوب، حصل في ذلك فسحة.
وجربنا هذا وقلنا: ليتنا أخذنا بحديث ابن عمر، أن لا نلبي إلا إذا ركبنا؛ لأننا نسينا ما لا يمكن أن نستعمله ..