وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن، ظاهر السياق:{مَنْ تَمَتَّعَ}{إِلَى}، لو قال: من تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارِن يدخل في ذلك؛ لأن القارِن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفرًا مستقلًّا، لكن لما قال:{إِلَى الْحَجِّ} علمنا أن هناك انفصالًا بين أيش؟ بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابنُ مَشِيش الإمامَ أحمد رحمه الله قال: أيجب على القارِن الهدي -أو قال: الدم- وجوبًا؟ قال: كيف يجب وجوبًا وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه رحمه الله يشير إلى أن وجوب الدم على القارِن إنما هو بأيش؟ بالقياس، وإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟ لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجِبة، ولّا لا؟
العلة الموجِبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج هي أن الله يسَّر لهذا الناسك، يسَّر له أيش؟ تمتعًا تامًّا بين العمرة والحج، والقارِن ليس كذلك لا شك؛ لأنه سيبقى متمتعًا من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
ولهذا نقول: إن ظاهر القرآن مع الظاهري؛ أن الدم لا يجب إلا على المتمتع فقط لا على القارِن والمفرِد.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنُسُكه أن يُهْدِي؛ لأن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الإهداء التطوعي، فكيف بإهداءٍ اختلف العلماء في وجوبه؟ ! وكان أكثر العلماء على الوجوب، يكون هذا لا شك أولى وأبرأ للذمة وأحوط.
كم أهدى الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طلبة: مئة.
الشيخ: بارك الله فيكم، لا إله إلا الله، سبع مئة.
الطلبة: مئة.
الشيخ: لا إله إلا الله، كم مئة بعير؟
الطلبة: سبع مئة.
الشيخ: سبع مئة شاة، وأنت الآن تشح على نفسك بشاة واحدة، اذبح الهدي ولو كنت قارِنًا، فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجبًا فقد تقرَّبت إلى الله تعالى به.