حكمة أخرى التمسها بعض العلماء وقال: إن لحم الإبل شديد التأثير على الأعصاب مهيج لها؛ ولهذا الآن الطب الحديث ينهى الإنسان العصبي أن يكثر من أكل لحم الإبل قالوا: والوضوء يهدئ الأعصاب ويبردها، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالوضوء عند الغضب (٢٢)؛ لأجل تسكينه وتهدئته.
وسواء كان هذه الحكمة أو لا، إنما الحكمة هي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وكما أنه لا يمكن أن يجترئ أحد أن يطالب بالحكمة في عدد الصلوات، فهذه مثلها؛ إن علمنا حكمتها فهو من الله، وهذا زيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التسليم والانقياد.
إذا ثبت الآن أن لحم الإبل ينقض الوضوء فلا فرق بين الني والمطبوخ والقليل والكثير، ولكن عرفنا أن المشهور من المذهب الفرق بين الهبر وبين بقية الأجزاء، والصحيح أنه لا فرق بين الهبر وبقية الأجزاء؛ لأنه لا دليل على ذلك.
واللحم شرعًا يطلق على كل الأجزاء، كما في قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه}[المائدة: ٣] لحم الخنزير أي لحم؟
طلبة: كله.
الشيخ: لا، الأمعاء حلال! الكرش كله حرام، يشمل كل ما في جلد الخنزير وحتى جلده يشمله التحريم أيضًا فهو حرام، وإذا كنا نجعل التحريم -وهو منع- شاملًا لجميع الأجزاء فإننا نجعل الوضوء هو أمرًا شاملًا لجميع الأجزاء؛ بمعنى أنك إذا أكلت أي جزء منها فإنه يجب عليك الوضوء، والدليل على ذلك:
أولًا: أن اللحم في لغة الشرع يشمل جميع الأجزاء، بدليل الآية.
ثانيًا: نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أن في الإبل أجزاء كثيرة قد نقول: إنها تقارب الهبر، أجزاء كثيرة كلها سوى الهبر، ولو كان هذا غير داخل لكان الرسول يبينه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الناس يأكلونه بلا شك، فلو كان غير داخل في الحكم لأخرجه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعلم أنهم يأكلون هذا وهذا.