والصواب: أنه إذا أمر بشيء وفعل خلافه أنه يدل على أن الأمر ليس للوجوب، هذا هو الصواب بلا شك، فيبقى الأمر كما هو، ولكن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام يدل على أنه ليس بواجب.
وهذا هو القول الراجح، والذي عليه جمهور أهل العلم -وإن كان الشوكاني رحمه الله يميل إلى الأول- إلى أن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يخالف قوله يكون خاصًّا به حتى مع إمكان الجمع.
إذن نقول: حديث جابر ويش المراد منه؟
طالب:( ... ).
الشيخ: لا، ويش المراد منه؛ سياقه يعني لأي شيء؟ ليبين أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب؛ لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام له في آخر الأمر، مثلما مر علينا في القيام للجنازة: قام، ثم قعد (٢٠).
وعلى هذا فيكون ما استدل به هؤلاء على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء يكون دليلًا ضعيفًا، ويبقى حديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل سالمًا من المعارض المقاوم، وإذا كان سالمًا من المعارض المقاوم وجب الأخذ بمقتضاه وبمدلوله.
بقي أن يقال: ما هي الحكمة في أنه يجب الوضوء من لحوم الإبل؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن نقول: إن الحكمة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه الحكمة، فكل ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فهو حكمة، والدليل على أن هذه حكمة مقنعة مسكتة: أن عائشة رضي الله عنها سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر أن بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢١)، وهذا حكمة وأي حكمة، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: ٣٦] هذه حكمة؛ لأننا نؤمن -والحمد لله- إيمانًا بكل قلوبنا أن الله لا يأمر بشيء إلا والحكمة تقتضي فعله، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركه، وعلى هذا فهذه حكمة.