القاعدة الثانية: لأجل يخرجون الحجامة؛ لأن الحجامة خارجة ما هي داخلة، فيكون: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل؛ لأجل يخرجون لحم الإبل ما ينقض الوضوء، ولكن حديث ابن عباس ضعيف لا يصح مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن صح موقوفًا عليه فقد خولف.
وأما حديث جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فإنه لا يعارض حديث نقض الوضوء بلحم الإبل، فضلًا عن كونه ناسخًا له، كيف لا يعارضه؟ لأن حديث جابر عام، وحديث الإبل خاص، والقاعدة المتفق عليها بين أهل العلم: أن العام يحمل على الخاص، وأنه يخرج منه الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، تخرج من العام، وحينئذٍ هل هناك تعارض حتى نقول بالنسخ؟ لا، ولا يجوز لنا أن ننسخ أو أن نحكم بالنسخ مع إمكان الجمع؛ لأن النسخ مع إمكان الجمع معناه: إبطال أحد الدليلين مع أنه ليس بباطل.
إذن ما الغرض من حديث جابر؟ لا بد أن يكون له حكمة؛ يعني: سياقه هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أمر بالوضوء مما مست النار، وصح عنه الأمر بذلك أمر بالوضوء مما مست النار، فقال جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء.
وعلى هذا فإذا كان الرسول قد أمر وترك؛ فمن أهل العلم من أصَّل أصلًا -لكنه ليس بأصيل- وقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أمر بشيء وفعله صار الفعل خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله؛ يعني: للوجوب، انتبه لهذه القاعدة، ولكن هذا الأصل غير أصيل؛ لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله وفعله.
فإذا عارض قوله فعله؛ فإن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولًا وفعلًا، ولا يجوز أن نحمله على الخصوصية مع إمكان الجمع؛ لأن معنى ذلك إهدار شطر من السنة -وهو السنة الفعلية- بدون حاجة إلى ذلك.