يبقى عندنا ما هو الدليل على أن لحم الإبل ينقض الوضوء؟ الدليل قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث البراء وحديث جابر بن سمرة؛ حديث جابر بن سمرة: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال:«نَعَمْ»، قال: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال:«إِنْ شِئْتَ»(١٥).
وجه الدلالة على الوجوب من هذا الحديث: أن تعليقه الوضوء بالمشيئة في لحم الغنم دليل على أن لحم الإبل لا مشيئة به ولا خيار فيه، وأن الوضوء منه واجب.
وأما حديث البراء ففيه:«تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»(١٦) بلفظ الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، فعلى هذا يكون عندنا في ذلك حديثان صحيحان، كما صححهما الإمام أحمد، وكلاهما في مسلم، وإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فإنه يجب علينا التمشي بمقتضاه.
إذن هل العلماء الذين خالفوا الإمام أحمد في هذا قد عصوا الله؛ لأنهم تركوا الواجب؟
طلبة: هم مجتهدون.
الشيخ: هم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهد مصيبًا؛ قد يجتهد الإنسان ويخطئ، وإذا كان قد بذل وسعه في طلب الحق ولكنه لم يوفق للصواب، فإن له أجرًا على اجتهاده، وعذرًا في خطئه؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلى وسعها.
الذين قالوا بعدم النقض يقولون: إنه قد روى أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار (١٧).
وكلمة:(مما مست) عام يشمل الإبل وغير الإبل، وهو قد صرح كان آخر الأمرين ترك الوضوء، وإذا كان آخر الأمرين فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخًا للأول، وهذا معلوم.
فيه دليل آخر: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لَا مِمَّا دَخَلَ»(١٨)، وزاد بعض العلماء أو نسبوه أيضًا أثرًا:«وَالْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ لَا مِمَّا خَرَجَ»(١٩)، شوف تقابل.