الشيخ: فالفطر أولى، الدليل على هذا التفصيل هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم في السفر، ولم يفطر إلا حين قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، فإنه في غزوة الفتح صام حتى بلغ كراع الغميم فأتوا إليه، وقالوا: يا رسول الله، الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، مع علمهم بأن الإنسان مخير، لكن يريدون تمام التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا بقدح من ماء بعد صلاة العصر -يعني ما بقي على الغروب إلا قليلًا- ورفعه على فخذه حتى رآه الناس، فشرب، والناس ينظرون إليه عليه الصلاة والسلام؛ ليقتدوا به؛ لأنه إمامهم، وهم ينتظرون ما يفعل، فجيء إليه، فقيل: إن بعض الناس قد صام، قال:«أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»(٨)؛ لأنهم صاموا مع المشقة، ومع أن رسولهم عليه الصلاة والسلام وإمامهم أفطر، ثم يبقون هم صيامًا، هذه معصية، فسماهم عصاة.
فإذن نقول: الصواب هو هذا، أنه مع المشقة يكون الفطر أولى، وإن كانت المشقة شديدة يخشى من ضررها كان حرامًا، أما مع عدم المشقة فعلمتم أن الصوم أفضل.
وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام:«لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»(٩) الذي استدل به الحنابلة عل كراهة الصوم في السفر فهذا خاص، وليس عامًّا، خاص بمن؟ بالرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم قد ظُلِّل عليه، وازدحم الناس عليه ينظرون حاله، فقال ما هذا؟ قالوا: صائم، قال:«لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فنقول: إنه خاص بهذا الرجل.