والأصل في العبيد عدم الزكاة إذا لم يكونوا للتجارة، والأصل في الثياب عدم الزكاة، فكيف نقيس ما أصله الزكاة على شيء الأصل فيه عدم الزكاة؟ ثم هو متناقض، لو كان له عبد قد أعده للأجرة فهل فيه زكاة؟ يقولون: لا. لو كان له خيل أعدها للأجرة، هل فيها زكاة؟ يقولون: لا. لو كان عنده حلي أعده للأجرة، فيه الزكاة؟ إذن تناقض، فلم يصح القياس.
فلما تبين أن الحديث المرفوع فيه نظر وأن الآثار الموقوفة معارضة بالنصوص المرفوعة، وأن القياس غير صحيح ومتناقض تبين انهدام أدلة القائلين بعدم الوجوب، بقي علينا إشكالات في أدلة القائلين بالوجوب: أولا: قالوا: يرد على قولكم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ»(١٩) أنه للعموم، يرد على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:«فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشُرِ»(٢٠).
والرقة هي الفضة المضروبة؛ لقوله تعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}[الكهف: ١٩] فالرقة هي الدراهم، فيُحمل قوله:«مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ» على الفضة المضروبة، والذهب المضروب.
فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نُسلم أن المراد بالرقة السكة المضروبة؛ لأن ابن حزم رحمه الله يقول: الرقة اسم للفضة مطلقًا، سواء ضُربت أم لم تُضرب.
فإن قلنا: إن ابن حزم حجة في اللغة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: إنه ليس بحجة قلنا: إن الرسول قال: «فِي الرِّقَةِ فِي مِئَتَيْ دِرْهَمٍ رُبُعُ الْعُشْرِ»(٢١)، وقال:«لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ»(٢٢) أو قال: «مِنَ الْفِضَّةِ»، فهذا دليل على أن المعتبر مجرد الفضة.
ثم نقول: هب أن المراد بالورق الفضة، فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يعتبر تخصيصًا. أرأيت لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم محمدًا وهو منهم، فهل هذا العام يكون مخصصًا؟ لا. يكرم الجميع، ويكون لمحمد مزية خاصة في الإكرام.