للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

استثنى بعضهم من الأثر الدمَ من الفم، أو الأنف، أو القُبُل، أو الدُّبُر، قال: لأن هذا قد يقع ممن مات موتًا طبيعيًا، فلا يدل على أن الذي فعل به هذا العدو، ولكن كلام المؤلف يدل على العموم أنه متى وجد به أثر يحتمل أنه من فعل العدو فهو شهيد.

قال: (أو حُمل فأكل) (حمل) من أين؟ من أرض المعركة، (فأكل) ثم مات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولو علمنا أنه مات متأثرًا بجراحه؛ لأن كونه يأكل يدل على أن فيه حياة مستقرة؛ إذ إن الذي في حكم الميت لا يأكل، فأكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكل ولو لم يطل الفصل؛ يعني: إذا أكل ولو مات بدون طول الفصل فإنه يغسل.

وقال بعض الفقهاء: لا يغسل إذا لم يطل الفصل؛ لأنه قد يأكل بغير شعور وهو في النزع، ولكن هذا في الحقيقة بعيد؛ أي: أن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.

وقول المؤلف: (أو حُمل فأكل) ظاهره أنه لو لم يحمل فأكل، ثم مات فإنه شهيد لا يغسل، وعبارة بعض الفقهاء: أو جُرِحَ فأكل، وهذه العبارة الثانية الأخيرة أعم مما إذا حمل أم لم يحمل.

وهذا هو الأقرب، الأقرب أنه إذا أكل -سواء حمل أم لم يحمل- فإن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة، فيغسَّل ويكفن.

فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهيد إذا جرحه العدو جرحًا مميتًا وبقي حيًّا حياة مستقرة أنه يغسل ويكفن؟

قلنا: الدليل قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ فإنه جُرح في أكحله عام الأحزاب، ولكنه سأل الله ألَّا يميته حتى يقر عينه ببني قريظة، فاستجاب الله دعاءه (١)، وبقي الجرح ملتئمًا حتى حكم فيهم هو نفسه، حكم في بني قريظة لماذا؟ لأنه هو حليفهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>