فمنهم مَنْ يقول: إنه لا يجوز الجمعُ للمسافر إلَّا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا، ويستدلُّ بحديث ابن عُمَر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَجْمعُ إذا جَدَّ به السَّيرُ (٥)، يعني إذا كان سائرًا، وبأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يجمعْ بين الصلاتينِ في مِنًى في حجَّةِ الوداعِ لأنه كان نازلًا، وإلَّا فلا شكَّ أنه في سَفَرٍ لأنَّه يقصُر الصلاةَ.
وأُورِدَ عليهم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جمعَ بين الظُّهرينِ في عرفةَ وهو نازلٌ.
وأجابوا بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جمعَ بين الظُّهرينِ في عرفةَ وهو نازلٌ ليُدرِكَ الناسُ صلاةَ الجماعةِ؛ لأن الناس بعد الصلاةِ سوف يتفرَّقون في مواقفهم في عرفة ويكونُ جَمْعُهم بعد ذلك صعبًا وشاقًّا، فأراد النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنْ يجمع بين الظُّهرِ والعصرِ مع أنه نازلٌ من أجْلِ حصول الجماعةِ، ونظير ذلك أن الناس يجمعون بين المغرب والعِشاء في المطر من أجْل تحصيل الجماعةِ، وإلَّا فبإمْكانِهِمْ أنْ يُصلُّوا الصلاةَ في وقتها في بيوتهم لأنهم معذورونَ بالوحْلِ. هذا قولٌ.
القول الثاني: أنه يجوز الجمعُ للمسافر سواءٌ كان نازلًا أمْ سائرًا، واستدلُّوا لذلك بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ في غزوة تبوكَ وهو نازلٌ (٦)، وبأنَّ المسافر في الغالب يشقُّ عليه أن يُفرِد كُلَّ صلاةٍ في وقتها؛ إمَّا للمشقَّةِ والعناءِ، وإمَّا لقِلَّة الماءِ وإمَّا لغير ذلك.
واستدلُّوا أيضًا بظاهرِ حديثِ أبي جُحيفة رضي الله عنه الثابتِ في الصحيحينِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان نازلًا في الأَبْطحِ في حجَّةِ الوداعِ، وأنَّه خرجَ ذاتَ يومٍ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ فأمَّ الناسَ، فصلَّى الظُّهرَ ركعتينِ والعصرَ ركعتينِ (٧). قالوا: فظاهرُ هذا أنهما كانتا مجموعتينِ.
واستدلُّوا أيضًا بأنه إذا جازَ للمَطَرِ ونحوِهِ فجوازُهُ في السفرِ من باب أَوْلى.