ودليل ذلك أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما حَبَسَهُ الثَّلْجُ بأذْربيجانَ لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ وهو يقصُر الصلاةَ (٣٢)، وابن عمر صحابِيٌّ، والقولُ الراجحُ أنَّ فِعْل الصحابِيِّ وقول الصحابِيِّ حجَّةٌ بشرطينِ وهما: ألَّا يخالف نصًّا، وألَّا يعارضه قول صحابِيٍّ آخَر، فإنْ خالفَ نصًّا أُخِذَ بالنصِّ مهما كان الصحابِيُّ، وإنْ عارضه صحابِيٌّ آخَر طُلِبَ المرجِّحُ واتُّبِعَ ما ترجَّحَ من القولينِ.
ثم نقول: إنَّ فِعْل ابن عمر هذا -رضي الله عنه- مؤيَّدٌ بعموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ الدالَّةِ على أنَّ المسافر يقصُر، حتى لو بَقِي باختياره على القول الراجح لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ أو أربعةٍ أو سَنَةٍ ولكنه لعَمَلٍ ينتظر انتهاءه؛ فإنَّ القول الراجح أنه يقصُر كما سبق.
قال:(وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً) هذا الشرط لا بدَّ منه؛ فإنْ نوى إقامةً مطْلَقةً لا إقامةً ينتظر بها زوالَ المانعِ؛ فإنه إذا نوى أكثر مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ على المذهب، وما دون الأربعة يقصُر.
إذَنْ لا بدَّ من شرطٍ على كلام المؤلف: ألَّا ينوي إقامةً تقطع حُكم السفر، فإنْ نوى إقامةً تقطع حُكم السفر فإنه يُتِمُّ.
يقول:(أو أقامَ لقضاء حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا). إذا أقامَ لقضاء حاجةٍ ولم يَنْوِ إقامةً؛ يعني: لَمْ يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وإلَّا الإقامة لا بدَّ منها، قد نوى إقامةً لقضاءِ حاجةٍ، ولكنْ لا يدري متى تنقضي، ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، فإنه يقصُر أبدًا.
ما معنى (أبدًا)؟ يعني: لو بَقِي طولَ عمرِهِ فإنه يقصُر؛ لأنه إنما نوى الإقامةَ من أجْل هذه الحاجةِ ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وهناك فرقٌ بين شخصٍ ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ وشخصٍ آخَر ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ؛ فالذي ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ لا يُعَدُّ مستوطِنًا، والذي ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ يُعَدُّ مستوطِنًا.