للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى هذا فنقول: إنَّ فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام ليس دليلًا على التحديد؛ وجْهُ ذلك أنه وَقَعَ مصادفةً لا تشريعًا، والذي يقع مصادفةً لا تشريعًا لا يُعتبر تشريعًا، هذه القاعدة. ولهذا لو قال لنا قائلٌ مثلًا: إذا دفعْتَ من عرفة إلى مزدلفة يُسَنُّ لك أن تنزل عند المأْزِمَينِ ثم تبول وتتوضأ وُضوءًا خفيفًا. هل هذا مشروع؟ لا؛ لأنه وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل المصادفة والاتفاق، لا على سبيل القَصْد حتى نقول: يُسَنُّ أن تفعل هذا الوضوءَ الخفيفَ في أثناء الطريق.

ونعلم أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَعْلم أنَّ مِن الناس مَنْ يأتي للحجِّ في اليوم الثالث مَثَلًا أو اليوم الثاني أو الأول، فمَنْ جاء في اليوم الأول سوف يبقى ثمانية أيامٍ قبل الطلوع إلى مِنى، ومَنْ جاء في ذي القعدة سيكون أطْول، فلمَّا لم يَقُل النبي عليه الصلاة والسلام للناس: مَنْ قَدِم مكة قبل اليوم الرابع فعليه أن يُتِمَّ، عُلِمَ أنَّه لا فَرْق بين من قَدِم في اليوم الرابع وقَدِم في اليوم الأول، هذا هو الحقيقة، لكن مَنْ أرادَ أن يحتاط وقال: أنا أريدُ أنْ أُتِمَّ إذا أنهيتُ أقصى مدَّةٍ قال بها مَن يحدِّد، فإنَّنا لا نقول: هذا حرامٌ عليك، لا سِيَّما إذا لم يكن الدليل في نفْسه قويًّا، أمَّا مَنْ كان الدليلُ في نفْسه قويًّا واطْمأنَّ إليه فليأخذْ به ولا حرج عليه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها.

(أو نَوَى إقامةَ أكثر مِن أربعة أيامٍ)، وقد عَلِمتم كما مرَّ عليكم في المذكِّرة أنَّ من العلماء مَن قال: أربعة أيامٍ ليس منها يوم الدخول والخروج، وهم الشافعية، ومنهم مَن قال: تسعةَ عَشَرَ يومًا، كابن عباسٍ، ومنهم مَن قال: خمسةَ عَشَرَ يومًا، كأبي حنيفة، وهكذا اختلف العلماء؛ لأن المسألة ليس فيها نصٌّ يجب المصير إليه، فمِنْ ثَمَّ تجد الأقوال فيها أكثر من عشرين قولًا في مسألةٍ واحدةٍ.

<<  <  ج: ص:  >  >>