للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكن هذا الأصل ليس متَّفَقًا عليه بين العلماء؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا الأصل ليس عليه دليلٌ لا من الكتاب ولا من السُّنة ولا من العُرف، وإذا لم يكن عليه دليلٌ فإن الحكْم يُعلَّق بالمعنى الذي من أجْلِهِ شُرِعَ القصْر، وهو السفر. فما دامَ الإنسانُ مسافرًا مُفارِقًا لمحلِّ إقامتِهِ فهو مسافرٌ؛ لأنه لا فرق بين شخصٍ ينوي أن يُقيم أربعة أيامٍ لشُغلٍ أو أن يُقيم خمسة أيامٍ، كلٌّ منهما يعتقد أنه مسافرٌ وأنه في انتظار انتهاء شُغله، فمتى انتهى رَجَعَ إلى وطنه.

وأيُّ شيءٍ يحدَّد من مدَّةٍ تزيد على أربعة أيامٍ فإنه يُقال للمحدِّد: أين الدليل؟ وهذا هو الذي جَعَلَنا نميل إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، وأنَّ الإنسان إذا كان عازمًا على الرجوع إلى بلده وأنه لم يحبسْه في هذا المكان إلا الشغل فإنه مسافرٌ ولو طالت المدة؛ لأننا مهما قدَّرْنا من تقدير سواء كان شهرًا أو شهرينِ أو أسبوعًا أو أسبوعينِ أو أربعةَ أيامٍ أو عشرةَ أيامٍ فإننا سوف نطالب بالدليل على التحديد، وهذا يحتاج إلى توقيفٍ من الشرع، فإذا لم يوجَد رَجَعْنا إلى الأصل الذي من أجْله شُرِع القصْر؛ {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: ١٠١]، هذا عامٌّ ما دُمْنا ضاربينَ في الأرض، وقد قال الله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: ٢٠]، وقد عُلِم أن التجار لا تنقضي إقامتهم في البلد في خلال أربعة أيامٍ لا تزيد، بلْ ربما يبقون يومًا واحدًا إذا كان السوقُ نشيطًا والسلعُ قليلةً، وربما يبقون شهرًا إذا كانت السلعُ كثيرةً وكان السوقُ ضعيفًا، ولم يحدِّد الله عز وجل للذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقتًا معيَّنًا، فالذي نميل إليه هو ما اختاره شيخ الإسلام، وهو مطْلَق السفر.

<<  <  ج: ص:  >  >>