سبق لنا أنَّ المشروع للمسافر أن يصلِّي ركعتينِ وأنَّ ذلك قد دلَّ عليه الكتاب والسُّنة والإجماع؛ في الكتاب قولُ الله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[النساء: ١٠١]، ونَفْيُ الْجُناحِ سبق أنه لا يمنع الطلبَ كما في قوله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}[البقرة: ١٥٨]، وسبق لنا أيضًا أن الذي يتبيَّن من الأدلة أن القصْر ليس بواجبٍ وإنما هو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، ويُكره الإتمام إذا لم يوجد له سببٌ، وسبق أن المؤلف رحمه الله ذَكَر مسائل يجب فيها الإتمامُ؛ منها ما ذَكَره الآن في قوله:(أو نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ)؛ يعني: إذا نَوَى المسافر أن يُقيم في مكانٍ سواء في بلدٍ أو في أثناءِ سَفَره؛ كما لو وَجَدَ مَرْبعًا خصبًا ترعى فيه الإبلُ ونَوَى أن يُقيم في هذا المكان أكثر من أربعة أيامٍ، فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ؛ لأنه قال:(نَوَى إقامةَ أكثر مِنْ أربعةِ أيامٍ)، ولم يقُل: في البلد، فيتناول ما إذا نوى هذه الإقامةَ في بلدٍ أو نواها في نفْس البَرِّ أثناء سفره فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ، مع أنه في الحقيقة على سَفَرٍ بعد الأربعة الأيام، لكنهم يقولون: إن الأصل في الإقامة منع القصْر، هذا هو الأصل، وأجزْناه في الأربعة الأيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك حين قَدِم إلى مكةَ في اليوم الرابع من ذي الحجة وأقامَ فيها إلى اليوم الثامن ثم خَرَجَ إلى مِنى. قالوا: فقد أقامَ الرسول عليه الصلاة والسلام أربعةَ أيامٍ يقصُر الصلاةَ، فنحن إذا أقمْنا هذه المدَّة نقصُر، وإنْ زِدْنا نُتِمُّ؛ لأن الأصل أن المسافر إذا أقامَ في مكانٍ فقد انقطع سفره.