وانظروا مثلًا إلى العقائد، العقائد انقسم الناس في صفات الله إلى طرفين ووسط، غالٍ في الإثبات أثبتها مع التمثيل، وغالٍ في التنزيه نفاها، هذان طرفان، ووسط أثبتها مع نفي المماثلة، فصار وسطًا؛ لأنهم أخذوا لنصوص نفي التمثيل ونصوص إثبات الصفات فأثبتوا مع نفي التمثيل.
في القَدَر انقسم الناس طرفين ووسطًا، طرف غالوا في إثبات القدر وقالوا: إن الإنسان مجبر على فعله وليس له اختيار. وطرف آخر غالَوْا في إثبات إرادة العبد وقدرته وقالوا: إن العبد مستقل بعمله ولا تعلق لِقَدَرِ الله فيه. والقسم الثالث وسطٌ قالوا: إن الإنسان له إرادة واختيار في فعله، ولكنه مكتوب عند الله وبتقدير الله، فتوسطوا فصاروا على الصواب.
في باب الوعيد انقسم الناس أيضًا إلى طرفين ووسط، قسم أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، وقسم آخر أخذوا بنصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد، وقسم توسطوا.
فالقسم الأول أخذوا بنصوص الوعيد وأهدروا نصوص الرجاء وقالوا: من فعل كبيرة من كبائر الذنوب فإنه مخلدٌ في النار ولا تنفع فيه الشفاعة.
والقسم الثاني الذي يتطرف من جهة أخرى أخذوا بنصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد وقالوا: فاعل الكبيرة لا يدخل النار، والنصوص الواردة في الوعيد إنما تنصب على الكفار لا على المؤمنين.
والثالث وسط قالوا: نصوص الوعيد نصوص ثابتة ورادة على مَن ( ... ) به، ولكن هذا الذي استحق هذا الوعيد تحت المشيئة؛ لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء: ٤٨].
في آل الرسول صلى الله عليه وسلم انقسم الناس إلى طرفين ووسط -آل الرسول قرابته- قسم غالوا في أهل الرسول غُلُوًّا كبيرًا حتى قالوا: إن أبا طالب نبي من الأنبياء، أبو طالب الذي شهِدَ لهُ الرسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ بأنه في ضَحْضَاحٍ من نار يَغْلِي منهَا دماغُهُ (١٢)، قالوا: إنه نبي.