وأما حديث:«أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ»(١٩) فهو ضعيف، لا يُحتجُّ به، لكن يحتج بهذا الحديث الذي ذكرت لكم:«خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا». ويلزم من ذلك أن تتأخر صفوف النساء عن صفوف الرجال، وهذا الترتيب الذي ذكرناه واستدللنا عليه بالأثر والنظر ما لم يمنع منه مانع، فإن منع منه مانع بحيث لو جمعنا الصبيان بعضهم إلى بعض لحصل في ذلك لعب وتشويش، فحينئذٍ لا نجمع الصبيان بعضهم إلى بعض، وذلك لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانها، وهذه قاعدة فقهية، ولهذا قال العلماء: الرَّمَل في طواف القدوم أوْلى من الدنو من البيت، لماذا؟
لأن الرمل يتعلق بذات العبادة، والدنو من البيت يتعلق بمكانها، فهنا نقول: لا شك أن مكان الصبيان خلف الرجال أوْلى، لكن إذا كان يحصل به تشويش وإفساد الصلاة على البالغين وعليهم هم فإن مراعاة ذلك أوْلى من مراعاة فضل المكان، إذن كيف نعمل؟ نعمل كما قال بعض العلماء أن تجعل بين كل صبيين بالغًا من الرجال؛ يعني: رجل بالغ يليه صبي، ثم رجل، ثم صبي، ثم رجل، ثم صبي؛ لأن ذلك أضبط وأبعد عن التشويش.
وهذا وإن كان يستلزم أن يتأخر بعض الرجال إلى الصف الثاني أو الثالث حسب كثرة الصفوف فإنه يحصل به فائدة؛ وهي الخشوع في الصلاة وعدم اللعب الذي يحصل به التشويش.
وهذا الذي ذكرنا أنه يُقدَّم الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء إنما هم في ابتداء الأمر عندما نكون جماعة أقيمت الصلاة فأردنا أن نصف، نقول للبالغين: تعالوا هنا والصبيان وراء إلا إذا خُشي -كما قلت لكم- محذور.