للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قالوا: والمفسد للصلاة يستوي فيه الكبير والقليل كالحدَث، فلو أن الانفراد مبطل لبطلت صلاة عبد الله بن عباس، أُورد عليهم: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (١٠)، فقالوا: هذا النفي نفي للكمال كقوله: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (١١)، ومعلوم أن الإنسان لو صلى بحضرة الطعام فصلاته صحيحة، ولو صلى وهو يدافعه الأخبثان -يعني البول والغائط- فصلاته صحيحة، إذن فالنفي هنا نفي للكمال لا للصحة، ونحن نقول بأن الأكمل والأفضل أن يدخل في الصف.

أورد عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة (٩) فقالوا: هذا الحديث في صحته نظر، وإذا صح فلعل هناك شيئًا أوجب أن يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلاة وهذه قضية عين لا نجزم بأن السبب هو كونه يصلي خلف الصف، ولكن هذه الأدلة التي استدلوا بها فيها نظر.

أما قولهم: إنه فَعَل ما أُمِر به من المتابعة، فهذا صحيح، لكن هناك واجبات أخرى غير المتابعة وهي المصافة؛ فإن المصافة واجبة، فإذا ترك واجب المصافة بطلت صلاته، وأما قوله: إن قوله: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» نفي للكمال، فهذا مردود؛ لأن النفي إذا وقع فله ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: أن يكون نفيًا للوجود الحسي، فإن لم يمكن فللوجود الشرعي، وهو نفي الصحة، فإن لم يمكن بأن قام الدليل على صحة المنفي فهو لنفي الكمال، الحديث الذي معنا لا يمكن أن يكون نفيًا للوجود؛ لأنه من الممكن أن يصلي الإنسان خلف الصف منفردًا.

إذن ليس نفيًا للوجود قطعًا، نفي للصحة؟ نعم، نقول: هذا هو الأصل أنه نفي للصحة؛ والصحة هي الوجود الشرعي، يعني إذن نقول: هذا الحديث نفي للصحة؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أنه نفي للكمال.-

<<  <  ج: ص:  >  >>