قال العلماء: لأن موسى يدعو وهارون يُؤَمِّن، فنسب الله الدعوة إليهما، مع أن الداعي واحد، لكن لما كان الثاني مُنْصِتًا له مُؤَمِّنًا عليه صارت الدعوة دعوةً له.
وحينئذ نقول: إذا قرأ الإمام الفاتحة وأنت مُنْصِت له وأَمَّنْتَ عليه فكأنك قارئ لها، وحينئذ لا تجب القراءة على المأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام للفاتحة.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل بعموم حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف ذات يوم من صلاته، فقال:«مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ إِنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِي الْقِرَاءَةَ»(١٠)، ثم قال:«لَا تَقْرَؤُوا فِيمَا جَهَرْتُ فِيهِ»(١١)، فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وهذا عام.
وقال أيضًا: إن المعنى يقتضي ذلك؛ إذ كيف نقول للمأموم: اقرأ، وإمامه يقرأ؟ يكون جهر الإمام في هذه الحال عبثًا لا فائدة منه؛ لأن الفائدة من جهر الإمام هو أن يستمع المأموم إليه ويتابعه، وتتحقق المتابعة التامة، ولا شك أن هذا القول له وجهة نظر قوية، ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر مَعْقِل -كما يقول المثل- إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهرية، ونهاهم أن يقرؤوا خلف الإمام إلا بأم القرآن، فلا قول لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإلَّا لا شك أن القول الذي فيه التفصيل له وجهة نظر قوية من حيث الدليل النظري، لكن لا يستطيع الإنسان أن يقول بخلاف ما دل عليه الحديث -حديث عبادة بن الصامت- ويتهم الإنسان رأيه في التصرف في الأدلة.
وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة: وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا إذا أدرك الإمامَ راكعًا، أو أدركه قائمًا، ولم يدرك أن يُكَمِّل الفاتحة حتى ركع الإمام، ففي هذه الحال تسقط عنه.