للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القول الراجح في هذه المسألة أن المأموم عليه قراءة الفاتحة ولا بد، وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٦)، و (من): اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم، «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ»، أي إنسان لم يقرأ، سواء كان مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».

ولا يصح أن يُحْمَل هذا النفي على نفي الكمال، بدليل ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ -أَوْ قَالَ: بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ- فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ» (٧)، والخداج هو الشيء الفاسد، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المراد بالنفي نفي الصحة، وهو كذلك.

فإن قال قائل: هذا الحديث عام، ولدينا حديث عام أيضًا يعارضه، بل آية في القرآن تعارضه عامة، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في الإمام: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (٨)، وهذا عام، «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» يدل على عموم الإنصات، سواء عن الفاتحة أو غيرها؟

نقول: نعم، هذا صحيح، أنه عام في الفاتحة وغيرها؛ أن المأموم إذا قرأ الإمام فإنه يُنْصِت، ولكن هذا العموم مُقَيَّد بعموم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، حيث قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انفتل من صلاة الفجر، حينما قرأ في صلاة الفجر وثَقُلَت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ »، قالوا: إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٩)، وهذا نص صريح في الصلاة الجهرية؛ لأن صلاة الفجر صلاة جهرية.

<<  <  ج: ص:  >  >>