انظروا إلى الأئمة الذين يعرفون مقدار الاتفاق، كان الإمام أحمد رحمه الله يرى أن القنوت في صلاة الفجر بدعة، ويقول: إذا كنتَ خلف إمام يقنت فتابعه على قنوته، وأَمِّن على دعائه، أكثر من هذا! كل ذلك من أجل اتحاد الكلمة، واتفاق القلوب، وعدم الكراهة بعضنا لبعض.
يقول المؤلف:(ويوتر المتهَجِّد بعده) أي: بعد تهجده، يعني: إذا كان الإنسان يحب أن يتهجد بعد التراويح، والتراويح تفعل متى؟ بعد العشاء في أول الليل، وهذا رجل يحب أن يتهجد في آخر الليل، فهل يوتر مع الإمام أو يوتر بعده؟
يقول المؤلف:(يوتر بعده)؛ يعني ولا يوتر مع الإمام؛ لأنه لو أوتر مع الإمام خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:«اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»(٢٥) لكن لا يوتر مع الإمام، ويوتر بعد تهجده، إذن إذا قام الإمام ليوتر ينصرف هو ولا يوتر معه، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وقال بعض العلماء: بل يوتر مع الإمام ولا يتهجَّد بعده؛ لأن الصحابة لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُنْفِلَهم بقيةَ ليلتهم قال:«مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ»(٨)، وفي هذا إشارة إلى أن الأولى الاقتصار على الصلاة مع الإمام؛ لأنه لم يرشدهم إلى أن يَدَعُوا الوتر مع الإمام ويصلوا في آخر الليل؛ فدلَّ هذا على أنه يَحْصُل له قيام الليل كأنه قامه فعلًا، فيكتب له أجر العمل مع راحته، وهذه نعمة.
هناك أيضًا طريق أخرى وهو قوله:(فإن تبع إمامه شفعه بركعة) إن تبع إمامه شفعه؛ أي: شفع وتر إمامه بركعة من أجل أن يكون آخر صلاته وترًا.
إذن يتابع الإمام، فإذا سَلَّم الإمام من الوتر قام فأتى بركعة وسلَّم، فيكون صلى ركعتين، أي: لم يوتر، فإذا تهجد في آخر الليل أوتر بعد التهجد، فيحصل له في هذا العمل متابعة الإمام حتى ينصرف، ويحصل معه أيضًا أن يجعل آخر صلاته بالليل وترًا، وهذا عمل طيب.