ولكن هذا قول ضعيف، غفل قائله عما ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه ثلاثَ ليال، وفي الثالثة أو في الرابعة تخلَّف لم يصلِّ، وقال:«إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»(١٣) فثبتت التراويح بماذا؟ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم المانع من الاستمرار فيها -لا من مشروعيتها- خوف أن تفرض، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما مات صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي فأُمِنَ من فرضيتها، فلما زالت العلة وجب زوال المعلول؛ لما زالت العلة وهو خوف الفريضة بنزول الوحي ثبت زوال المعلول، وحينئذٍ تعود إلى السُّنِّيَّة.
ويبقى النظر لماذا لم يفعل هذا أبو بكر؛ لم يُعِد إقامتها جماعة؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن مدة أبي بكر رضي الله عنه كانت سنتين وأشهرًا، وكان مشغولًا بتجهيز الجيوش لقتال المرتدين وغيرهم، فكان الناس منهم يصلي وحده، ومنهم من يصلي مع الرجلين، ومنهم من يصلي مع الثلاثة، أحزابًا، لما كان عمر خرج ذات ليلة فوجدهم يصلون أوزاعًا فلم يعجبه هذا التفرق، وأمر تميمًا الداريَّ وأبيَّ بن كعب أن يقوما للناس يجمعون الناس جميعًا، ويصليا بالناس إحدى عشرة ركعة، وبهذا عرفنا أن فعل عمر ما هو إلا إعادة لأمر كان مشروعًا إعادة وتجديد.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول عمر: نعمت البدعة، وهذا يدل على أنها مبتدعة؟