لكن لو اختار أهل المسجد أن يُقَصِّر بهم القراءة والركوع والسجود، ويكثر من عدد الركعات، وقالوا له: إن هذا أرفق بنا لأنه لو بقي يقرأ جزءا في كل ركعة ويطيل الركوع والسجود ربما يشق عليهم؛ فإذا طلبوا أن يُقَصِّر القراءة والركوع والسجود ويزيد في العدد فلا حرج عليه إذا وافقهم؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»(٤) وعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ»(٥) وما دام الأمر غير محظور علينا فإن تيسيرنا على من ولانا الله عليه أولى وأحسن، والإمام ولي المسجد مولًّى على المأمومين، ولهذا يقال: إمام، فهو إمام، والإمام أيضًا يأمرهم ويقول: سووا اعتدلوا سوُّوا الصفوف، تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، فهو في الحقيقة ولي أمر بالنسبة للمأمومين.
فإذا طلب المُوَلَّى عليهم أن يَرْفُق بهم بكثرة العدد مع تخفيف الركوع والسجود والقراءة فليس في هذا بأس.
وهنا نقول: لا ينبغي لنا أن نتطرف لا يمينًا ولا شمالًا؛ لأن بعض الناس يتطرف من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة، وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ، وهذا لا شك أنه خطأ، وكيف يكون آثما عاصيًا، وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام كيف صلاة الليل؟ فقال:«مَثْنَى مَثْنَى»(٦)؟ ولم يحدد بعدد.
ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأن مَنْ لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى، وهو ليس من خَدَمِ الرسول حتى نقول: يعلم داخل بيته، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام بَيَّن له كيفية الصلاة دون أن يُحَدِّد له بعدد علم أن الأمر في هذا واسع، وأن للإنسان أن يصلي مئة ركعة ويوتر بواحدة، مَنْ يمنعه من هذا؟ !