والأمر يقتضي الوجوب، والأصل في الواجب أنه فرض إذا تُرك بطلت العبادة، هكذا قرر الفقهاء -رحمهم الله- حُكم هذه المسألة؛ أي: هكذا قرَّروا أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركن بهذا الحديث، وهذا وجه استدلالهم به، ولكنك إذا تأملت هذا الحديث؛ لم يتبين لك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركن؛ لأن الصحابة إنما طلبوا الكيفية، كيف نصلي؟ فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إليها.
ولهذا نقول: إن الأمر في قوله: «قُولُوا» ليس للوجوب، ولكنه للإرشاد والتعليم، فإن وُجِدَ دليل غير هذا يأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فعليه الاعتماد، وإن لم يوجد إلا هذا، فهذا لا يدل على الوجوب، فضلًا عن أن يدل على أنه ركن؛ ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إنها ركن، وهو المشهور من المذهب، ومنهم من قال: إنه واجب وليس بركن؛ قال: لأن قوله: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»(١٤) محتمل للإيجاب وللإرشاد، ولا يمكن أن نجعله ركنًا لا تصح الصلاة إلا به مع هذا الاحتمال.
والقول الثالث: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سُنّة، وليست بواجب ولا ركن، وأن الإنسان لو تعمد تركها فصلاته صحيحة؛ لأن الأدلة التي استدل بها الموجِبون أو الذين جعلوه ركنًا، ليست بتلك القوة، والأصل براءة الذمة، فلا نشغلها بأمر فيه إشكال.
وهذا القول أرجح الأقوال، إذا لم يكن سوى هذا الدليل الذي استدل به الفقهاء -رحمهم الله- فإنه لا يمكن أن نُبطل العبادة ونفسدها بدليل محتمل أن يكون هو المراد به الإيجاب أو الإرشاد.